في حوار مع “ألوانكم”.. الناقد السينمائي ايت همو يدعو الى سينما مغربية بروح كونية

حاوره خالد الشادلي

لا يختلف اثنان على أن السينما المغربية لم تعد قادرة على مسايرة قطار السينما العالمية، نظرا لشساعة الهوى بينهما، فالقائمون عن السينما المغربية لم تتضح لهم بعد الرؤية بشكل الذي يجعل من الانتاجات السينمائية قادرة على الفوز بإحدى جوائز المهرجانات الكبرى، كمهرجان كان ومهرجان البندقية…

فرغم مرور قرن وما يزيد على ظهور السينما في المغرب، فلازالت تبحث عن هويتها وكينونتها المفقودة، باستثناء بعض الأعمال القليلة جدا الذي تعبر عن قضايا إنسانية في قالب محلي.

وحسب بعض المختصين والنقاد الذين يؤكدون على أن أزمة السينما المغربية راجع بالأساس إلى عوامل عدة أهمها :

 – التبعية؛ بمعنى انها لم تستقل بعد عن الثقافة الفرنسية.

– فقر فكري وابداعي لدى أغلب السينمائيين، وهذا ينتج أزمة إبداع   وبذلك غياب رؤية فنية قادرة على إعطاء صورة جمالية ورمزية.

التفكير في الجانب الربح السريع على حساب المضمون الفني، فرغم ظهور التقتيات الحديثة لم يفلح السينمائيون في إعطاء سينما حقيقية تعبر عن قضايا إنسانية وكونية.

فالسينما المغربية لازالت حبيسة في ماهو تقليدي مبتذل مبني على الرداءة وتقزيم دور السينما وحصرها فقط في الترفيه وتصريف الوقت لدى المتلقي مع العلم أن دورها الحقيقي؛ تثقيفي تربوي يذكي الحس الجمالي، وهذا له وقع خاص على المرء من أجل مواكبة الحياة بشكل سليم تسوده روح النقد البناء وتقبل الآخر.

وفي خضم هذا السجال أجرت جريدة “ألوانكم” حوار سينمائي مع الأستاذ والباحث الجامعي بجامعة القاضي عياض يوسف ايت همو، الذي يعتبر من النقاد السينمائيين المشهود لهم بعشق السينما ودفاع عنها من أجل الرقي بالإنسان والفن عموما، فإبن مدينة مراكش له عدة مؤلفات باللغة الفرنسية*

في البداية أستاذ أيت همو هل بإمكانكم التحدث عن وضعية السينما المغربية؟.

إذا اعتبرنا السينما كفعل ثقافي بامتياز وكرافعة للحضارة وأداة للحفاظ على الذاكرة وبناء المستقبل، فالسينما المغربية لم تدخل بعد زمن الحداثة والإبداع، لازال المغرب من ناحية السينمائية فقط فضاء وديكور للتصوير الافلام الأجنبية: هوليود، وبوليود ومصر وفرنسا ورسيا… وسوق سينمائي مفتوح في وجه الاجانب ومغلوق للإنتاج المغربي الضعيف كما وكيفا.

لازالت السينما المغربية تعاني من سبع معيقات:

* غياب ثورة فنية وجمالية منبثقة مستمدة من الموروث الثقافي المغربي.

* غياب سوق داخلية وخارجية دائمة للأفلام المنتجة.

*الخوف من الصورة ومن السينما بصفة عامة.

*تقزيم السينما وحصر دورها فقط في بعدها التجاري البدائي، وبعدها الايديولوجي.

*غياب صناعة سينمائية بالمقاييس الدولية (انتاج، تسويق، استهلاك)، لا زلنا نعيش الصناعة التقليدية السينمائية.

*غياب ملفت للنظر لسينما الاطفال وسينما القضايا الإنسانية العظمى.

* تعقيب اديولوجي خطير لمفهوم البطل المغربي الايجابي.

بالطبع هناك افلاما مغربية نفتخر بها (كوشمة لحميد بناني، والحال لمعنوني، حلاق درب الفقراء لركاب وأشلاء بلعاس) لكونها تحمل رؤية فنية فريدة، لأنها تسائل الذاكرة والروح المغربية و تبحث على الكونية، ولكن منذ إنتاج اول فيلم الى اليوم فهذه المدة غير كافية لخلق مدرسة سينمائية مغربية ذات مواصفات خاصة تنفرد بها كما هو الحال بالنسبة للمدرسة السينمائية الجزائرية إبان سنوات 1970 والمدرسة المصرية والمدرسة التركية…نحن في حاجة الى سينما صادقة ذات بعد إنساني ومحلي قادرة على إبداع الجديد كونيا.

– ماهي الإضافة التي قدمها المهرجان الدولي للفيلم بمراكش للمدينة؟

بخصوص المهرجان لدي بعض الملاحظات أهمها، أن المدينة لم تدمج هذه التظاهرة العابرة بداخلها، ولا يستفيد المراكشيون من المهرجان إلا السياحة نسبيا. إذ ليس هناك وقع حقيقي على بنيات المدينة ولا قاعاتها، كنا ننتظر من المهرجان المساهمة في ترميم على الأقل قاعة سينمائية في السنة، لكن مع الأسف أصبح المهرجان قلعة محصنة ممنوعة على المراكشيين ومبدعيها شبيهة بقصور الكلاوي إبان الاستعمار.

مع العلم أن مدينة مراكش وعلى طول قرن شكلت فضاء للتصوير مجموعة من الأفلام الأجنبية والمغربية يتجاوز عددها مائتي فيلم سينمائي وتلفزي، لكن ابرز ملاحظة يمكن تسجليها في هذا الصدد هو تقزيم صورة المراكشيين ذات بعد تحقيري، بمعنى “سينما الحكرة”، لكن في الحقيقة أن مدينة مراكش مدينة العلماء والمبدعين والمفكرين والأبطال…هي ليست مدينة العاهرات والقردة والفلكلور.

إضافة الى ما سبق ذكره، نلاحظ كذلك ان السينما والتلفزيون لا يخلقون فرص الشغل لعدد من فناني المدينة، وهذا ناتج عن غياب شركات الإنتاج على غرار مدن الدار البيضاء والرباط وورززات، وهذا ما يشكل حاجز أمام إبراز مواهب المراكشيين.

بصفتكم استاذ جامعي ماهو موقع السينما داخل رحاب الجامعة؟

في الحقيقة لازالت الجامعة المغربية تكن العداء الغير المبرر للسينما والثقافة الشعبية، وهنا نجد صراع خفي بين المعرفة العالمة والمعرفة العامية، فالجامعة تقتصر على بعض التكوينات الهامشية للسينما على شكل إجازة مهنية او الماستر لم تفي بالغرض، إذ لا تستطيع إنتاج خطاب او رؤيا بعيدا عن النقد التقليدي، كما انها لا تساهم في تكوين المشاهد الايجابي للأفلام.

لكن الخطير هو عندما نجد بعض الدكاترة لا يشاهدون الأفلام، وغير قاديرين على تحليل  الفيلم، بل الأخطر من ذلك هو إشراف بعض الأساتذة على بحوث الدكتوراه وهم غير متخصصين، وهذا يخلق فوضى إبستمولوجية وأزمة فنية، لكن رغم هذه النظرة السوداء لازال هناك باحات مضيئة  يجب ذكرها:

* مهرجان السينما الجامعية بتطوان

*مادة السينما والفنون والثقافية

* بالإضافة الى جامعة القاضي عياض التي حاولت تقريب الثقافة السينمائية الى طلبة الماستر العلوم والآداب والحقوق، وتعتبر هذه التجربة هي الاولى من نوعها.

في اعتقادي الخاص أن الجامعة المغربية لها من الإمكانات للمساهمة وتطوير الحقل السينمائي على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وغيرها من دول التي استفادة من الأبحاث الجامعية في المجال السينمائي.

فالسينما لا يقتصر دورها فقط في الترفيه ولكن لها القدرة والمساهمة تربويا وتعليميا، وهذا ما يجب ان يفهمه القائمين على الشأن التعليمي ببلادنا، ومن خلال تجربتي  لاحظت غياب استغلال الفنون والأفلام كمادة تربوية تساهم في تعلم اللغات، بالإضافة الى ذلك ممكن ان تساعد التلاميذ على استيعاب بعض المضامين التاريخية والجغرافيا والبيولوجيا. ..، وهذا يؤكد على شيء واحد أن السينما ليست ترفيه خالص، ولكن السينما ممكن ان تكون وسيلة للتثقيف وإيصال الافكار التربوية والتعليمية.

ونعلم جميعا بان الحداثة التربوية تبنى على الثقافة البصرية وعلى الحس الجمالي الفني، فهل تعليمنا المغربي حداثي؟

هل الأندية السينمائية انتهت صلاحيتها؟

 نحن في حاجة الى تاريخ الأندية السينمائية بالمغرب من أجل الوقوف على النقط الايجابية والسلبية من أجل إقلاع جديد يساير التطور والحداثة، فتاريخ الأندية السينمائية مرت بأربع مراحل:

*مرحلة المارشيال اليوطي الذي أحدت أندية موجهة للأعيان قصد إبراز الحضارة الفرنسية، والدفاع على المشروع الاستعماري للمغرب.

*مرحلة الأساتذة اليسارين الفرنسيين الذين استعملوا السينما للتمرير المبادئ الماركسية اللينينية للشباب المغربي.

*مرحلة العهد الذهبي للأندية السينمائية المغربية (1979،2000)، التي أفرزت مخرجين ونقاد كبار رغم هيمنة الخطاب الإيديولوجي على حساب تحليل الفني.

*مرحلة البحث عن الهوية وهي مرحلة اليوم، بحيت أنه لازالت الجامعة تبحث عن ذاتها وسط عالم التكنولوجيا.

يظهر لي ان الرهان اليوم يكمن في العودة الى الأصول والثوابت دون إهمال التكنولوجيا وخلق الاندية داخل الجامعات  والمدراس والانفتاح على باقي الفنون، ودفاع على دمقرطة الثقافة السينمائية بكل ربوع المملكة (المدن ،البوادي … ).

كلمة ختامية

 لي اعتقاد راسخ هناك أمل في تطوير السينما المغربية منفتحة عن الكونية، وهذا بفضل السياسة الحكيمة للملك محمد السادس، والذي يولي اهتمام كبير للسينما والسينمائيين، وهذه السياسة يجسدها المركز السينمائي الذي يحاول جاهد تطوير الانتاجات السينمائية والتي ارتفعت في السنوات الأخيرة ولا ننسى أن هناك شباب طموح وعاشق للسينما يحاول جاهدا الرقي بها الى مصاف العالمية.

وللبلوغ هذا الهدف أولا يجب تشجيع الشباب من طرف المخرجين والسينمائيين الذين لهم تجربة في المجال وأن لا يبخلوا عنهم النصح والإرشاد، ثانيا إيمان القطاع الخاص بالسينما والاستثمار فيه من اجل تطويرها الى أن تصبح صناعة قوية تنافس الدول الرائدة في المجال السمعي البصري، وثالثا ضرورة الاهتمام بالقراءة ومشاهدة الافلام لكبار المخرجين قصد الاحتكاك وصقل التجارب.

Related Articles

Close
Close